أبو نصر الفارابي

مقدمة 67

فصوص الحكمة ( شرح الغازاني وحواشي الداماد )

ومن ذلك قوّة تسمّى مصوّرة وقد رتّبت في مقدّم الدّماغ ؛ وهي التي تستثبت صور المحسوسات بعد زوالها عن مسامتة الحواسّ أو ملاقاتها ؛ فتزول عن الحسّ وتبقى فيها . وقوّة تسمّى وهما ؛ وهي التي تدرك من المحسوس ما لا يحسّ مثل القوّة التي في الشاة إذا تشبّح صورة الذئب في حاسّة الشاة ؛ فتشبّحت عداوته وردائته فيه ، إذ كانت الحاسّة لا تدرك ذلك . وقوّة تسمّى حافظة ؛ وهي خزانة ما يدركه الوهم ، كما أنّ المصوّرة خزانة ما يدركه الحسّ . وقوّة تسمّى مفكّرة ؛ وهي التي يتسلّط على الودائع في خزانتي المصوّرة والحافظة ؛ فتخلط بعضها ببعض وتفصل بعضها عن بعض ؛ وإنّما تسمّى مفكّرة إذا استعملها روح الإنسان والعقل ؛ فإن استعملها الوهم سمّيت متخيّلة . [ 44 . ] فصّ الحسّ لا يدرك صرف المعنى ، بل خلطا ؛ ولا يستثبته بعد زوال المحسوس ؛ فإنّ الحسّ لا يدرك زيدا من حيث هو صرف إنسان ، بل أدرك إنسانا له زيادة أحوال من كمّ وكيف وأين ووضع وغير ذلك ؛ ولو كانت تلك الأحوال داخلة في حقيقة الإنسانية لشارك فيها الناس